الشيخ محمد زاهد الكوثري

50

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

ومنها قوله : « إنّ الأدلة النقلية لا تفيد اليقين ، ولا تحصّل الإيمان المطلوب ، ولا تثبت بها وحدها عقيدة عند كثير من العلماء ، والذين ذهبوا إلى أنها تفيد اليقين ، وتثبت العقيدة ، شرطوا في الدليل النقليّ أن يكون قطعيّ الورود ، قطعيّ الدلالة » ، وذكر أمثلة للنوعين على رأي الفريق الثاني ، ثم قال : « ولا بد أن يعمّ العلم بالعقائد جميع الناس ، ولا يختصّ بطائفة دون أخرى . . . ومن مقتضيات هذا العلم العامّ بها أن لا يقع خلاف بين العلماء في ثبوتها أو نفيها ، والعلميّات المختلف فيها ليست من العقائد » . فعلى هذا لا يكون أحد سالم العقيدة والإيمان ما لم يعتقد جميع الناس ما اعتقده هو ، وما لم تعلم كافّة البشر ما علمه هو ، فلا يمكن للأشعرية أو الماتريدية مثلا أن ينفردوا بعقيدة تكون حقا ، ما لم يشاركهم باقي الفرق فيها ، فتكون النّحل كلّها على قدم المساواة ، وتزول الحواجز بينها ، ويرتع الغنم مع الذئاب في مرتع واحد ! ! فتكون النّحل موحدة بفضل هذا الاجتهاد الجديد ! ! . ومنها قوله : « إن ما اختلف فيه العلماء في باب العقليات ، والعلميّات ، كاختلاف الفقهاء في العمليات ، في عدم التضليل والتفسيق ، فضلا عن التكفير » . والعلماء في نظره أعمّ من علماء أهل الحق وزعماء سائر الفرق من أيّ نوع كان بدعتهم . وهو يفرض أن الدليل القطعيّ البيّن عند هذا ، يكون بيّنا معلوما عند الجميع ، وأنّ الناس كلّهم سواسية في العلم والفهم ! ! فتتمّ بتلك المبادئ تصفية كتب العقائد في الإسلام ، وتنزيل مسائلها إلى عشر معشارها ! ! وفي ذلك الاقتصاد التامّ في العقيدة ، والاقتصاد مطلوب في كل شيء ! ! هذا هو منزع صاحبنا ، فما يجب اعتقاده في نظره هو ما اتّفق عليه أرباب النّحل ، ويكون الناس أحرارا في اعتقاد ما يشاءون ، في مواضع الخلاف بين الفرق بدون أي لوم وتثريب ! ! وقد سبق منه تنويع السّنّة إلى أنواع « 1 » ، لا يكون للوحي شأن إلا في النّزر اليسير منها ، فتسقط أغلب السّنّة من أن تصلح للاحتجاج بها في باب العمل ، فضلا عن باب الاعتقاد ، رغم ما يقرّره فخر الإسلام في ذلك ، مع افتتان الكاتب بالنقل عنه فيما يهواه .

--> ( 1 ) وذلك في مقالاته التي كتبها بعنوان ( شخصيات الرسول ) .